ابن كثير

47

السيرة النبوية

والله ما أملك غيرهما يومئذ ! واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة يقولون : ليهنك توبة الله عليك . قال كعب : حتى دخلت المسجد فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس ، فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني ، والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره ، ولا أنساها لطلحة . قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور : " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك " . قال : قلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : " لا بل من عند الله " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر ، وكنا نعرف ذلك منه . فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله . قال رسول الله : " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " قلت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر . وقلت : يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق ، وإن من توبتي ألا أتحدث إلا صدقا ما بقيت . فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله أحسن مما أبلاني ، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومى هذا كذبا ، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم : " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين